الدرجات الخمس للخراب: أثمّة أمل بالنجاة؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


الدرجات الخمس للخراب: أثمّة أمل بالنجاة؟

سعيد محمد - الأخبار
31-07-2021
ليست التجربة اللبنانية في الانهيار المتدحرج نحو الأسوأ بالفريدة، فانحطاط المجتمعات وسقوطها في هاوية التردي والخراب أمر قديم قدم التاريخ نفسه. وهناك من الحكايا المعاصرة ما يكفي لاستخلاص الدروس واستكشاف طرائق النجاة. دميتري أورلوف، الخبير في خراب المجتمعات، كان شاهد عين على مرحلة انحلال الاتحاد السوفياتي خلال ثمانينيات وتسعينيّات القرن الماضي، وتحوّل من وقتها إلى نذير شؤم من أفق مظلم ينتظر الحضارة الغربية. وفي كتابه «الدرجات الخمس للخراب»، يورد نماذج من تجارب شعوب مختلفة نجح بعضها، بفضل توافر الإرادة الجمعيّة وظروف مواتية، في منع تواصل الانهيار ووقفه قبل وصوله إلى «نقطة اللاعودة»

لا يصدّق كثيرون بأن مجتمعاتهم المزدهرة ونظم عيشهم التي ألفوها طول سنين، قد يأتي عليها حين من الدهر وتتداعى، فتتحول بلادهم إلى «دول فاشلة» أو تضمحل رويداً رويداً، حتى إنّها قد تنقرض تماماً. لكن جنبات مسار التاريخ، قديمه وحديثه، تملؤها جثث متناثرة لحضارات وإمبراطوريّات ودول ومدن وتجمّعات بشريّة كان لها يوماً مجد وسؤدد وتحكّم بالمصير، ثم هوت ولمّا يتبقى منها سوى لقى وبعض عمران من آثارها المادية المبهرة التي وحدها استعصت على الزوال، فيما اختفى أصحابها ومعهم توارت نظم عيشهم ومؤسساتهم وثقافاتهم ولغاتهم، كما خبراتهم وأشواقهم وأحلامهم.

ومع أن السنوات الخمسين الأخيرة شهدت بحكم تردّي الأوضاع البيئية والمناخيّة في الكوكب توجهاً أكاديميّاً للنظر في أسباب انحطاط المجتمعات البشريّة وتحليل العوامل التي تقاطعت لدفع بعضها نحو الانهيار، وصدرت كتب مرجعيّة توافرت للجمهور العام في شرح المراحل والسيناريوات الممكنة للخراب الآتي حققت مبيعات لا بأس بها، إلا أنّ قليلين فقط اقنعوا بما قرأوه، وأقلّ منهم من شرع بالفعل في اتخاذ خطوات عمليّة للتعامل مع أوضاع قد تستجدّ في أيّ وقت وتقلب حياتهم رأساً على عقب. حديث انحطاط الحضارات هنا ليس مقتصراً على الحروب ـــ وإن كانت عاملاً أساسياً في دمار مجتمعات متعددة ـــ بل الأهم انهياراً متدرجاً حتى في أوقات السلام النسبي بسبب تلاقي سوء الإدارة البشريّة مع عوامل بيئيّة أو وبائيّة أو مناخيّة في لحظة حرجة من الزمان/ المكان.
كتاب «الدرّجات الخمس للخراب: دليلٌ للنّجاة» The Five Stages of Collapse: A survival toolkit A survival للكاتب الأميركي من أصل روسيّ دميتري أورلوف يأتي في هذا السياق تماماً. فالرّجل وهو مهندس درس في الولايات المتحدّة وعايش تجربة سقوط الاتحاد السوفياتي، رأي العين خلال عقد التسعينيات، أصبح كما نبيّ ينذر بالخراب، يقرأ على الجمهور الأميركي مزامير فيها تحليل معمّق للأزمة المتمددة التي تعيشها إمبراطوريّة العالم الأعظم، ويدعوه للتهيؤ للأسوأ، الذي يلوح ـــ وفق توقعاته دوماً ـــ في أفق قريب. لكن من استجابوا له، ظلّوا قلّة، فيما تلهّت الغالبيّة بهموم عيشها اليومي ومتع الحياة الاستهلاكيّة التي توفرها الرأسماليّة المتأخرة، بل سخر منه كثيرون ووصفوا كتبه بالهرطقة ووصموه بالتكسّب من وراء تخويف الناس. في هذا الكتاب، يبدو أورلوف كأنّه يئس وقرر أن يتوقّف عن مخاطبة الجمهور العريض، ولم يعُد معنيّاً بإقناع أحد بواقعيّة الانهيار. اكتفى بدلاً من ذلك بالتركيز على تقديم توجيهات واقتراحات عمليّة قد تفيد الثلّة التي آمنت فعلاً بحتميّة الخراب «الأورلوفي».
مقاربة أورلوف في «الدّرجات الخمس» تقوم على أساس نظريته التي تفترض أن خراب المجتمعات لا يحدث في أغلب الأحيان بين ليلة وضحاها، بل يتدرّج عبر درجات خمس، لكل منها معالمها التي يسهل رصدها، ويمكن عند توافر الإرادة المجتمعيّة (أو الفرديّة على نحو موازٍ) توظيف استراتيجيّات متفاوتة للتعايش معها ومنع انتقال الأوضاع إلى الدرجة التالية، أقلّه في المراحل الأولى من الخراب. ويستند أورلوف في نظريته هذه إلى وقائع وأبحاث معمّقة لتجارب انهيار مجتمعات من الذاكرة الإنسانيّة القريبة، والاستجابات التي قام بها «أولئك الذين رغبوا في البقاء على قيد الحياة».
الانهيار المالي، يقول أورلوف هو دائماً أولى درجات الخراب وأكثرها تسبباً في الصدمة لأن فكرة النقد كلّها مجرّد مفهوم نظري لا علاقة له فعلياً بالثروة الملموسة، ويمكن الحفاظ عليه طالما استمر الازدهار والتوقعات بالاستقرار والنمو مستقبلاً، لكنّه يتبعثر كالرماد عندما تتصاعد الأزمات وتضمحلّ الثقة بالمستقبل. وبحسب أورلوف، فإن المجتمعات الغربيّة استنفدت خلال عصرها الرأسمالي معظم المدخلات الأساسية التي غذت منجزها الصناعيّ والتكنولوجيّ، وأنّ تضاؤل إمكانات تحقيق نموّ حقيقي لاقتصاداتها تتراجع بشكل مخيف، مشيراً إلى أن ذلك يعني ببساطة أنّ كثيراً من دول العالم حتى المتقدم منها على شفا انهيار مالي ودوامة انكماش وتضخّم مفرط لا شفاء منها. ومن ذلك حالة اليونان التي أفلست بالكامل، وعدد من اقتصادات جنوبي أوروبا كإيطاليا وإسبانيا والبرتغال المستمرة فقط بفضل تدخل مكثّف من الاتحاد الأوروبي لا يعتقد بأنّه سيستمرّ طويلاً، لا سيّما أن دول الاتحاد الثريّة ستنتهي في ذات الدائرة القاتمة للأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة، عاجلاً أو آجلاً.
الدرجة الثانية من الخراب تكون الانهيار التّجاري الذي يبدأ عندما تتعطل التدفقات المادية اللازمة لديمومة حركة المنتجات والخدمات الاستهلاكية في بلد ما. فالإخفاقات المصرفية الناجمة عن الانهيار المالي تتسبّب في توقف القدرة على المشاركة في أعمال التجارة الدولية، ما يؤدّي بدوره إلى وقف سلاسل التوريد العالمية. ويجد الناس أنفسهم يواجهون نقصاً متفاقماً في السلع الأساسية وشحّاً في إمدادات الوقود والكهرباء والمياه، في حين يعجز المصنّعون المحليّون عن تجميع المواد اللازمة لتعويض الاستيراد. ولا يستغرق الاقتصاد وقتاً طويلاً حتى يتجاوز بعدها «نقطة اللّاعودة»، على حد تعبير أورلوف، بحيث يكاد يستحيل تحقيق التعافي بعدها بسرعة، لأن كل شبكات الإمداد والعلاقات التجارية تكون قد أصيبت بأضرار يستعصي إصلاحها.
الدرجة الثالثة من الخراب قد تبدأ بالتوازي مع الدرجتين الأوليين، أو تليهما. مع انهيار المصارف وتراجع قيمة العملة الوطنيّة وتعطّل الدورة الاقتصادية، يفقد الناس الثقة تدريجاً في مؤسسات المجتمع السياسيّة المتبقية، وتصبح الحكومات المركزيّة غير ذات صلة لأنها تعجز عن توفير الأساسيّات لمواطنيها، ولذلك تبدأ أشكال من حكم الواقع المحليّ بالنشوء تلقائياً لملء الفراغ، وفي معظم الأحيان بالشراكة الوثيقة مع مافيات الجريمة المنظّمة.
الدّرجة الرابعة من الخراب تحدث عندما يفشل المجتمع في تدارك نفسه بتبني استراتيجيّات فاعلة للتعافي من الدرجات الثلاث الأولى. عند توافر إرادة صلبة بالنجاة وظروف إقليميّة أو دوليّة أو بيئيّة مواتية، يمكن استعادة الاستقرار تدريجاً، وبناء مؤسسات سياسية جديدة قد تنجح في نهاية المطاف في بناء دورة اقتصاديّة والتشبيك مع النظام المالي العالمي (إن كان موجوداً). لكن الفشل في ذلك والانتقال إلى درجة الانهيار الاجتماعي قد يجعلان احتمال التعافي حلماً صعب المنال، ويمضي المجتمع بعدها في اتجاه واحد قدماً نحو الهاوية التي قد تتضمّن حرباً أهليّة أو صراعات محليّة متكررة على الموارد القليلة المتبقيّة تشهد عادة عنفاً مجانياً وتطرّفات في العداوة، وسقوطاً تاماً لكل الوشائج الاجتماعيّة والقيمية التي قد تكون جمعت بين أبناء المجتمع في وقت ما. ويصبح التشرذم والتقسيم واقعاً معاشاً حتى داخل الحيّ أو المدينة الواحدة ولا يسهل رتقه. استمرار هذه الدرجة من الانهيار الاجتماعي لبعض الوقت يعني تالياً الانتقال إلى الدرجة الخامسة والأخيرة، التي يحدث فيها الانهيار الثقافي عندما تبدأ العائلات النوويّة الصغيرة بالتفكّك، وتغلب الأنانيّة الفرديّة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة، ويقتتل الناس من أجل أساسيّات العيش، وتفقد الآداب والفنون والموسيقى مبررات وجودها وتغدو ترفاً لا طائل من تحته، ويدفع كل متمسّك بالقيم الإنسانيّة ثمناً غالياً قد يكلّفه حياته ذاتها في بعض الأحيان.
يورد أورلوف تصديقاً لدرجات نموذج الخراب الذي يقترحه، حالات لمجتمعات مرّت بمراحل الانهيار المتعاقبة وقصص نجاح بعضها في تبنّي مواقف أو امتلاكها مهارات منعت الانتقال إلى الدرجة التالية من الخراب. مثلاً في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، قدمت أيسلندا نموذجاً ملهماً للتخفيف من حدة الانهيار المالي. والدرس الرئيس الذي يمكن تعلمه من تجربتها، كما يكتب أورلوف، هو «دع البنوك تفلس، ولا تحاول إنقاذها على حساب المجتمع».

يقتتل الناس من أجل أساسيّات العيش، وتفقد الآداب والفنون والموسيقى مبررات وجودها
أما بالنسبة للتغلّب على الانهيار التجاري، فيشير أورلوف إلى المافيا الروسية. على الرغم من سمعتها، التزمت هذه المافيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بأخلاقيات صارمة في التعامل الصادق في المبادلات التجاريّة وتجنّب استعمال العنف بكل الوسائل على نحو مكّن المجتمع الروسي من إعادة بناء دورة اقتصادية أساسيّة جديدة، فيما يحكي عن قدرة شعب البشتون في أفغانستان وباكستان (ينحدر منه معظم أعضاء حركة طالبان) على التكيف الناجح مع الانهيار السياسي، بل الاستفادة منه لإنتاج أكبر محصول للأفيون في العالم (80% من السوق العالميّة). وهناك أيضاً دراسة عن قدرة الغجر الاستثنائية على الاستمرار في حالات الانهيار الاجتماعي، بحكم طبيعة عيشهم البسيط وإتقانهم الاحترافيّ لفنون الخداع، وصورة مروعة قاتمة أيضاً عن مجتمع قبيلة الإيك الأفريقيّة التي طُردت من أراضيها الأصليّة الخصبة في أوغندا قبل حوالى ستين عاماً وأسكنت عنوة سفوح جبال مقفرة لا يمكن زراعتها، ما أدى إلى تفشّي حالة دائمة من المجاعة المستمرّة انتهت إلى تجريدهم تدريجاً من الفضائل البشريّة الأساسية كالحبّ والرحمة، وأصبح أفراد المجتمع حتى على مستوى العائلة الواحدة قساة القلوب ومفتقدين لأيٍّ من الروابط التي قد تنظّم العلاقات بينهم بحيث يبدو «البقاء على قيد الحياة بأيّ ثمن مصيراً أسوأ حتى من الموت».
ينظر أورلوف إلى قصة الإيك على أنها حكاية تحذيرية، تجبرنا على مواجهة الفكرة غير المريحة بأنّ التكيف مع المستقبل يتطلّب بالضرورة التخلّص من الأوهام التي اكتسبناها بالتنشئة الاجتماعيّة في مجتمعات ذات ثقافة تهيمن عليها البرجوازيّة حول العالم ومكانتنا فيه. وسيكون الفقراء أو الأشخاص القادرون على تعلّم العيش في الفقر أقدر على البقاء من الأشخاص المرفهين أو المخدوعين بأحلام الطبقة الوسطى ويسقطون فجأة إلى العوز دون امتلاك المهارات ولا الاستعداد النفسي لحياة الكفاف والصراع والمقايضة. ولعل أحد الاستنتاجات الأساسيّة التي يخرج بها قارئ «الدرجات الخمس للخراب» هو إعادة التفكّر في معنى الثروة والغنى التي تبقى بعدما تتبخر الثروة النظرية ـــ سواء عملة ورقية أو أرقاماً في جهاز كمبيوتر ـــ وكذلك أهميّة العائلة كمنظومة أساسيّة للمساندة المتبادلة من قِبل أفرادها، ملقياً بكثير من الظلال السوداء على قدرة المجتمعات الغربيّة على التعامل مع درجات الخراب بعد عقود طويلة من تفكّك الروابط الأسرية فيها بفعل الرأسماليّة الشرهة، وتعارضاً مع الدور الذي لعبته الأسرة على مر معظم التاريخ.


New Page 1