الوكالات التجارية: حماية وطنية مبرّرة أم وسيلة احتكار؟ :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


الوكالات التجارية: حماية وطنية مبرّرة أم وسيلة احتكار؟

المفكرة القانونية
12-05-2021
لا يكاد يطرح النقاش حول الوكالات التجارية في لبنان حتى تنقسم الآراء بين مؤيّدين لتحرير الاقتصاد من قيود حصرية الوكالات التجارية من جهة، ومؤيّدين لحماية نظام اقتصادي لبناني قائم على تلك الحصرية من جهة أخرى. فهل تستحقّ الوكالات التجارية حماية وطنية أم هي وسيلة احتكار يجب التخلّص منها؟

في عام 1967، ارتأت الحكومة اللبنانية أن تعطي حماية خاصّة للتجار اللبنانيين الذين يستحصلون على ما يُعرف بـ”الوكالات التجارية”، بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 34 تاريخ 5 آب 1967 الذي نظّم التمثيل التجاري في لبنان (سنشير إليه في سياق المقالة بـ م. ا. 34).

ففي ظلّ اقتصاد مبني على الخدمات وعلى استيراد البضائع أكثر من تصديرها، اختارت الحكومة حماية التاجر اللبناني الذي يكرّس طاقاته ويستثمر أمواله لترويج و/أو بيع علامة تجارية أجنبية في لبنان نظراً لكونه الفريق الأضعف في العقد الذي يربطه بصاحب العلامة التجارية أو السلعة الأجنبية، وسواء كان التاجر اللبناني شخصاّ طبيعياً أو شركة يملكها ويديرها أكثرية من اللبنانيين[1].

وقد سوّى م. ا. 34 في هذا الإطار بين الوكيل التجاري الذي يمثّل[2] شركة أو تاجراً أجنبياً في لبنان بحكم مهنته فيقوم بعمليات بيع أو شراء أو إيجار أو تأدية خدمات باسم وحساب هذا الأخير[3]، وبين النموذج الشائع أكثر في لبنان وهو: التاجر الذي يشتري بضاعة ليبيعها في لبنان باسمه ولحسابه شرط إعطائه صفة الممثّل أو الموزّع الحصري[4].

ولا بدّ من توضيح الحماية التي يتمتّع بها الممثل التجاري اللبناني أولاً، قبل الغوص في مصير هذه الحماية.

أولاً: نظام حماية استثنائي

خصّص م. ا. 34 للممثّل التجاري اللبناني حماية مزدوجة، إذ يستفيد من حماية لحصريّته تجاه الأشخاص الثالثين (أ)، كما يتمتّع بحق تعويض تجاه الشركة الأجنبية الممثَّلة (أي الموكّل) عند انتهاء عقد تمثيله (ب).

1- تجاه الأشخاص الثالثين

عملاً بالمادة الثانية من م. ا. 34، يكفي أن يسجّل الممثّل التجاري عقد التمثيل الحصري بينه وبين الشركة الممثَّلة لدى السجل التجاري ليتذرّع بالحصرية المعطاة له تجاه الجميع. ولا يستثنى من ذلك إلّا المواد الغذائية ومواد التنظيف ومساحيق الغسيل، إذ لا تسري الحصرية في عقد التمثيل الذي يتناول تلك المواد تجاه الأشخاص الثالثين.

أكثر من ذلك، نصّت المادة الرابعة من م. ا. 34 على تسجيل عقد التمثيل في صحيفة الشركة الموكّلة لدى وزارة الاقتصاد والتجارة لقاء رسم سنوي، ممّا يحصر استيراد المواد المشمولة في عقد التمثيل بالممثّل التجاري المسجّل دون غيره ويؤدّي دوراً مهمّاً في تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الشركات الأجنبية الممثَّلة، كما سنفصّله في الفقرة (ب) أدناه.

بناء عليه، تتعدّى الحصريّة نطاق عقد التمثيل وتشكّل استثناءً لمبدأ نسبية العقود، فيمنع على أيّ شخص ثالث أن يستورد و/أو يبيع المواد المشمولة بالحصرية في لبنان[5].

2- تجاه الشركة الممثَّلة (أي الموكّل)

أعطت المادة الرابعة من م. ا. 34 الممثّل التجاري تعويضاً واسع النطاق عند انتهاء عقد تمثيله.

فإذا كان عقد التمثيل غير محدّد المدّة، يترتّب للممثّل، بالرّغم من كل اتفاق مخالف، تعويض عن الخسائر اللاحقة به وعن ربحه الفائت في حال فسخ العقد من قبل الشركة الممثَّلة، إلّا إذا كان سبب الفسخ خطأ الممثّل أو سبباً مشروعاً آخر.

أمّا إذا كان عقد التمثيل محدّد المدّة، فيترتّب تعويض للممثّل في حال امتنع الموكّل عن تجديد العقد عند انتهاء مدّته، شرط أن يثبت الممثّل أنّ نشاطه أدّى إلى “نجاح ظاهر في ترويج ماركة موكله أو في زيادة عدد زبائنه”[6] وأنّ عدم تجديد العقد حرمه من الربح الذي كان سيحقّقه، وذلك أيضاً بالرغم من كل اتفاق مخالف.

ولضمان فعّالية نظام الحماية الإلزامي المذكور في الفقرة السابقة وتطبيقه، لا سيّما في الحالة الأكثر شيوعاً حين يكون الموكّل شركة أجنبية، نصّت المادة الخامسة من م. ا. 34 أنّ محاكم محلّ ممارسة الممثّل نشاطه (أي المحاكم اللبنانية) وحدها مختصّة للبتّ بأيّ نزاع ناشئ عن عقد التمثيل بالرغم من كّل اتفاق مخالف، ممّا يعني أنّ المحاكم اللبنانية تبقى مختصّة حتى لو تضمّن عقد التمثيل بنداً يعطي الاختصاص لمحاكم أجنبية، كما يطرح السؤال حول صحّة بند تحكيمي وارد في عقد التمثيل: فهل يجوز فصل النزاعات المتعلّقة بالتمثيل التجاري عن طريق التحكيم في ظلّ المادة الخامسة من م. ا. 34؟

كذلك، منعت المادة الرابعة من م. ا. 34، من خلال تدوين إشارة الدعوى أو الحكم على صحيفة الشركة الموكّلة لدى وزارة الاقتصاد والتجارة:

تعيين أيّ ممثّل جديد في لبنان للشركة الموكّلة التي حكم عليها بتعويض لصالح الممثّل بموجب حكم مبرم، أو
تخليص أي بضائع مستوردة من إنتاج الشركة الموكّلة،
ما لم ينفّذ الحكم المبرم من قبل الشركة الموكّلة أو الممثّل الجديد.

ولكن ما هو مصير هذه الحماية في أيّامنا، في ظلّ العولمة وتطوّر التحكيم وسياسات تحرير التجارة وقيام بعض أصحاب الوكالات التجارية باحتكار السلع؟

ثانياً: مصير نظام الحماية

منذ صدور م. ا. 34 يتكرّر الكلام عن مساهمته في احتكار السلع وزيادة الأسعار على المستهلك وعن ضرورة إلغاء الحماية التي يوفّرها للممثّل اللبناني تبعاً لذلك.

وقد برزت محاولات عدّة لإلغاء “الوكالات الحصرية” في زمن العولمة، لا سيّما مع انطلاق المفاوضات لانضمام لبنان إلى منظّمة التجارة العالمية، وبلغت ذروتها في بداية العام 2004 مع إقرار مجلس النوّاب اللبناني مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 7484 والرامي إلى تعديل م. ا. 34 بإلغاء سريان حصرية التمثيل على الأشخاص الثالثين على أن يعمل بالتعديل بعد أربع سنوات من نشره، ليردّ القانون بعد ذلك رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحّود.

وهنا أيضاً، يقتضي التمييز بين نوعَي الحماية الناتجَين عن م. ا. 34 للوقوف على مصير تلك الحماية.

فبالنسبة لمصير حماية الممثّل التجاري تجاه الأشخاص الثالثين

يمكن رصد مبرّرات عدّة لإلغاء الحماية التي يمنحها م. ا. 34 تجاه الأشخاص الثالثين كما تمّ تفصيلها في القسم أولاً (أ) أعلاه.

فيذكر البعض ضرورة تحرير التجارة وفتح الحدود تمهيداً لانضمام لبنان لمنظمة التجارة العالمية. ويسلّط البعض الآخر الضوء على مساهمة حماية حصرية الممثّل في احتكار السلع وزيادة الأسعار على المستهلك في لبنان، كونها تحدّ من المنافسة المشروعة بين التجّار[7].

في المقابل، يرى آخرون أنّ التمسّك بالوكالات الحصرية يشكّل ورقة تفاوض لتحسين شروط انضمام لبنان إلى منظمة التجارة الدولية وأنّه لا يجب التنازل عن تلك الورقة من دون مقابل. كما هناك من يوضّح أنّ التمثيل التجاري الحصري لا يعني الاحتكار، إنّما قد يؤدّي إلى احتكار إذا أسيئ استعماله. ويلاحظ البعض الآخر أنّ الوكيل الحصري لبعض السلع، كالسيارات والأدوات الإلكترونية مثلاً، هو ضمانة لجودة السلعة من خلال خدمة ما بعد البيع التي يؤمّنها للمستهلك.

وقد وردت كلّ هذه الآراء وغيرها خلال مناقشات مجلس النواب التي سبقت التصديق على مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 7484 في 2004 والذي حاول تعديل م. ا. 34 قبل ردّه من قبل رئيس الجمهورية. في المقابل أكّد اقتراح قانون “إلغاء الاحتكار والتمثيل الحصري” رقم 674 تاريخ 9 حزيران 2020 (المفصّل أدناه)، في أسبابه الموجبة، أنّ لبنان عرف الاحتكار منذ إصدار م.ا. 34.

في الواقع، نشهد احتكاراً في لبنان حتى في المواد الغذائية المستثناة من الحماية تجاه الأشخاص الثالثين، ممّا يعني أنّ محاربة الاحتكار معركة قائمة بذاتها تتعدّى نطاق الوكالات الحصرية، وإن كانت الحماية التي تتمتّع بها هذه الوكالات قد تستعمل كوسيلة للاحتكار.

في جميع الأحوال، كثرت محاولات وضع إطار قانوني للمنافسة في لبنان للحدّ من الاحتكار، منها ثلاث محاولات حديثة:

1) في عام 2019، أعاد وزير الاقتصاد في حكومة سعد الحريري، منصور بطيش، العمل على مشروع قانون للمنافسة، انطلاقاً من اقتراح كان قد تقدّم به النائب علي بزّي للبرلمان سنة 2007 معيداً صياغته. وقد كرّس اقتراح الوزير بطيش المرسل إلى الأمانة العامّة لمجلس الوزراء، وفي المادّة الخامسة منه تحديداً، مبدأ حرية الاستيراد لأي شخص حتى لو كان للمنتج المستورد وكيل حصري في لبنان. وجاءت المادة 69 من الاقتراح لتلغي جميع النصوص القانونية المتعلّقة بالاحتكار والمنافسة والتي لا تأتلف مع مضمون الاقتراح، ممّا من شأنه أن يلغي بالنسبة للمنتجات المستوردة: (أ) الفقرة الثالثة من المادة الثانية من م. ا. 34 المتعلّقة بسريان عقد التمثيل التجاري المسجّل في السجل التجاري تجاه الأشخاص الثالثين، و(ب) الفقرة الأخيرة من المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي نفسه المتعلّقة بمنع تخليص البضائع المستوردة من إنتاج شركة أجنبية محكومة بموجب حكم مبرم بدفع تعويض للممثّل اللبناني (أي بعد انتهاء عقد التمثيل)، حتى رفع إشارة الحكم عن صحيفة الشركة المحكومة.

2) ومؤخراً، بتاريخ 3 حزيران 2020، أعاد وزير الاقتصاد الحالي راوول نعمه طرح اقتراح قانون المنافسة بعد تعديل اقتراح الوزير بطيش. فنصّت المادة الخامسة المعدّلة من الاقتراح الحالي، المتوفر على الموقع الإلكتروني لوزارة الاقتصاد على شرطين جديدين- بالمقارنة مع اقتراح الوزير بطيش- لاستيراد أي منتج أجنبي، سواء كان له وكيل حصري في لبنان أم لا، هما:

أن يتمّ الشحن مباشرة من البلد المنتج إلى مرفأ لبناني، مع وجوب إبراز شهادة منشأ من البلد المنتج،
أن يؤمّن المستورد إلى المستهلك جميع الخدمات والضمانات والكفالات كما هو محدّد من قبل الشركة المصنّعة ووفقاً للمعايير الدولية.
وإذا كان للشرط الثاني (ب) مبرّرات من ناحية تأمين جودة المنتج وخدمات ما بعد البيع للمستهلك اللبناني بهدف وضع ضوابط على مبدأ حرّية الاستيراد لمصلحة المستهلك، يشكّل في المقابل الشرط الأول (أ) قيداً مبالغاً فيه تحت عنوان مادة تكرّس “حرية الاستيراد” (أي المادة الخامسة من اقتراح القانون).

بالفعل، لا يسمح الشرط الأوّل بالاستيراد من الأسواق الموازية[8]، بل يفرض الاستيراد مباشرة من البلد المنتج مما يحدّ من إمكانية المنافسة بين التجّار ويتناقض مع أهداف القانون المقترح. أكثر من ذلك، وعند تطبيق هذا الشرط الأوّل على المنتجات التي لها وكيل حصري في لبنان، لا يبقى أمام الشخص الثالث المنافس للوكيل الحصري عمليّاً إلّا حالة واحدة لاستيراد المنتج موضوع الوكالة الحصرية، هي عندما تكون الوكالة معطاة من شركة أجنبية (مثلاً: شركة أميركية للأحذية الرياضية) تنتج بضاعتها بواسطة مصنع واقع في بلد أجنبي آخر (مثلاً: في الصين)، فيستطيع الشخص الثالث أن يستورد البضائع مباشرة من الصين إلى لبنان بالرغم من وجود وكيل حصري في لبنان. أما إذا كان الموكّل نفسه هو منتج البضاعة موضوع الوكالة الحصرية، فلن يبيعها للشخص الثالث تفادياً لأي مسؤولية عقدية ناتجة عن إخلاله بالحصرية التي منحها للوكيل في لبنان!

3) وبتاريخ 9 حزيران 2020، تقدّم النوّاب جهاد الصمد وياسين جابر وإبراهيم عازار وفادي علامة وبلال عبدالله باقتراح قانون رقم 674 عنوانه: “إلغاء الاحتكار والتمثيل الحصري” (“اقتراح القانون رقم 674”)، يسعى إلى إلغاء عدّة أحكام من م.ا. 34 وهي:

– سريان حصرية التمثيل على الأشخاص الثالثين (الواردة في المادة الثانية من م.ا. 34 وفي المادة 15 من المرسوم الاشتراعي رقم 73/1983 المتعلّق بحيازة السلع والمواد والحاصلات والإتجار بها)، ويضيف نصّ المادة الثانية المقترح: “ويمنع احتكار أي سلعة تحت أيّ مسمى”، بدون فرض أي آلية أو عقوبة خاصّة على من يخالف منع الاحتكار؛

– تدوين إشارة الدعوى أو الحكم على صحيفة الشركة الموكّلة لدى وزارة الاقتصاد والتجارة (أي الفقرات 3 و4 و5 من المادة الرابعة من م.ا. 34)؛

– مع الإبقاء على رسم تسجيل عقد التمثيل لدى وزارة الاقتصاد والتجارة رغم أنّ الإلغاءَين السابق ذكرهما يجعلان هذا التسجيل من دون أي فائدة عمليّة.

وفي حين لم يتناول اقتراحا وزارة الاقتصاد بتنظيم المنافسة موضوع حماية الممثّل التجاري تجاه الموكّل بشكل مباشر، يبقى أنّهما حرما تلك الحماية من إحدى ركائزها الأساسية وقد جاء اقتراح القانون رقم 674 ليؤكّد ذلك بشكل مباشر، كما سنراه فيما يلي.

ب- بالنسبة لمصير حماية الممثّل التجاري تجاه الموكّل

أدّت المحاكم اللبنانية دوراً بارزاً في حماية الممثّل التجاري اللبناني تجاه الموكّل. فقد فسّرت الاستثناءات على موجب الموكّل بتعويض الممثّل بعد انتهاء عقد التمثيل، أي خطأ الممثّل والسبب المشروع لإنهاء العقد، بشكل ضيّق معبّرة عن حرصها في حماية الممثل التجاري تجاه الموكّل: بالفعل، لا يقبل الاجتهاد اللبناني مجرّد خطأ من الممثّل لتبرير إنهاء عقد التمثيل بدون تعويض من الموكّل، فيميل نحو الخطأ الجسيم في هذا المجال.

فقد حدّد قرار لمحكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان عام 2015 [9] مثلاً مفهوم الخطأ “استناداً إلى الاجتهاد والفقه السائدين” بأنّه “الخطأ الجسيم الذي ينتقص من الغاية المشتركة التي يرمي إليها فريقا العقد، أي خطأ الممثل الذي يلحق ضرراً مستمراً بالموكّل أو المفوّض، ويرافقه تراخيه عن اتّخاذ التدابير اللازمة والمتاحة للحدّ من الخطر والضرر والخسارة”.

كذلك الأمر بالنسبة لتفسير السبب المشروع للإنهاء، إذ ترفض المحاكم اللبنانية اعتبار إعادة هيكلة أو إعادة تنظيم الموكّل[10] وعمليات الدمج التي تحصل بين شركتين أجنبيّتين كأسباب مشروعة تبرّر إنهاء عقد التمثيل بدون تعويض للممثّل.

فقد عرّفت محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان في هذا الإطار السبب المشروع المبرّر للفسخ، في قرارها رقم 35/2015، على أنّه “ذلك الذي يكمن في كلّ حالة يشرّعها القانون وتعرقل تنفيذ العقد بشكل طبيعي كما تصوّره الطرفان عند إنشائه، والسبب المشروع المبرر للفسخ هو ذلك الذي يجعل من تنفيذ العقد أمراً مستحيلاً أو محدثاً للخسارة بصورة دائمة ولمدّة طويلة” رغم أن م. ا. 34 ذكر السبب المشروع للفسخ وليس الاستحالة في تنفيذ العقد.

أما بالنسبة لموضوع اختصاص المحاكم اللبنانية الإلزامي، فقد اعتبرت قرارات عدّة صادرة عن المحاكم اللبنانية أنّ المادة الخامسة من م. ا. 34 تنفي صحة البنود التحكيمية في هذا المجال[11]، مع وجود بعض الاستثناءات في قرارات تقبل إدراج بند تحكيمي في عقود التمثيل التجاري في حال طبّق المُحكّم الأحكام الإلزامية للقانون اللبناني[12] على النزاع ولا سيّما موجب تعويض الممثّل عند انتهاء عقد التمثيل كما جرى تفصيله أعلاه.

والملفت أنّه جاء في الأسباب الموجبة للتعديل الحديث لقانون التجارة اللبناني تاريخ 29/3/2019 ما يفيد بالاعتراف بصحّة البنود التحكيمية في حال أُخضع العقد للقانون اللبناني تماماً كما تميل إليه بعض المحاكم اللبنانية، غير أنّه لسبب من الأسباب لم يرد في قانون التجارة المعدّل نفسه أي نص متعلّق بالمادة 5 من م. ا. 34 أو حتى بالتمثيل التجاري!

يتّضح إذاً أنّ المحاكم اللبنانية تأخذ حماية الممثل التجاري تجاه الموكّل إلى أبعد الحدود الممكنة في إطار تطبيق المادتين 4 و5 من م. ا. 34، وقد دفع هذا الأمر بعض الشركات الأجنبية إلى رفض إعطاء ممثلها في لبنان أي حصرية تفادياً لتطبيق نظام الحماية السابق تفصيله.

مهما يكن الأمر، لا تكتمل الحماية تجاه الموكّل من دون تنفيذ حكم التعويض من قبله لصالح الممثّل التجاري. فحتى لو كان المرسوم ا. 34 إلزامياً لناحية التعويض عند انتهاء العقد واختصاص المحاكم اللبنانية (كون محل ممارسة الممثل نشاطه هو في لبنان)، يبقى أنّ التنفيذ الجبري لحكم التعويض في مكان إقامة الموكّل خارج لبنان قد يصطدم بالنظام العام المطبّق هناك، فلا يقترن بالصيغة التنفيذية في الخارج.

في الواقع، يقتضي التمييز بين حالتين:

إما ينسحب الموكّل كلّياً من السوق اللبناني إثر انتهاء العقد مع الممثّل التجاري، فتصبح فعّالية نظام الحماية معلّقة على اكتساب حكم التعويض لصالح الممثّل الصيغة التنفيذية في محل إقامة الموكّل أو مكان وجود أمواله وهذا أمر غير مؤكّد كما سبق أن بينّاه؛
وإما يبقى الموكّل في السوق اللبناني ويستبدل ممثّله التجاري القديم بممثّل جديد أو ممثلين جدد، فتعود المادة الرابعة من مرسوم ا. 34 إلى الواجهة من خلال تدوين إشارة الحكم القاضي بالتعويض على صحيفة الموكّل في وزارة الاقتصاد والتجارة وعدم السماح بتعيين ممثّل جديد للموكّل و/أو باستيراد بضائع من إنتاج الموكّل قبل دفع التعويض المحكوم به لصالح الممثّل. ففي هذه الحالة، لا تكون حماية الممثّل معلّقة على اكتساب حكم التعويض أي صيغة تنفيذية في الخارج إذ أنه ينفّذ في لبنان بأقلّ كلفة للممثّل. إلّا أنّ المادة الخامسة من اقتراح قانون المنافسة وحرية الاستيراد التي تكرّسها تفتح الباب أمام الأشخاص الثالثين لاستيراد منتجات الموكّل كما ذكرناه أعلاه، مما سيؤثّر برأينا (في حال أصبح الاقتراح قانوناً) على فعالية تنفيذ حكم التعويض الصادر لصالح الممثّل. وكذلك الأمر بالنسبة لاقتراح القانون رقم 674 الذي يهدف إلى إلغاء فقرات المادة الرابعة من م.ا. 34 المتعلّقة بتدوين إشارة الحكم القاضي بالتعويض على صحيفة الموكّل في وزارة الاقتصاد والتجارة.
في النتيجة، هناك ارتباط وثيق بين وجهَي الحماية التي يتمتّع بها الممثّل التجاري في لبنان تجاه الأشخاص الثالثين والشركة الموكّلة[13]، ولا يمكن الاكتفاء بأنصاف الحلول وبنصوص غامضة ومتناقضة الأهداف عند إعادة النظر في حماية وطنية موجودة ومرسّخة في اجتهاد المحاكم اللبنانية منذ أكثر من خمسين سنة.



نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة





أكثرية الشركاء ورأس المال في شركات الأشخاص والشركة المحدودة المسؤولية على أن يكون صاحب حق التوقيع عن الشركة لبنانياً، وأكثرية رأس المال وثلثا أعضاء مجلس الإدارة والمدير العام في الشركات المساهمة (المادة الأولى من م. ا. 34). ↑
أي بموجب وكالة. ↑
الفقرة الأولى من المادة الأولى من م. ا. 34 التي لم تشترط الحصرية. ↑
الفقرة الثانية من المادة الأولى من م. ا. 34، وقد درجت العادة على تسمية التاجر الحصري بالوكيل التجاري الحصري مع انّه لا يرتبط بالتاجر الأجنبي بموجب وكالة. ↑
إلّا إذا كان ممثلاً ثانوياً للممثل التجاري الحصري (المادة الثالثة من م. ا. 34). ↑
المادة الرابعة فقرة 2 من م. ا. 34. ↑
See« Consultation and research institute » (in collaboration with Dr. Toufic Gaspard), Competition in the Lebanese Economy : a background for a competition law in Lebanon, MoET – UNDP, 2002 (English), p. 43. ↑
Marchés parallèles ↑
محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان، الغرفة الرابعة عشرة، قرار رقم 35/2015 تاريخ 22/1/2015، http://www.legallaw.ul.edu.lb/RulingFile.aspx?RuliID=112579&type=list ↑
محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان، الغرفة العاشرة، قرار رقم 383/2013 تاريخ 25/4/2013، غير منشور، و محكمة الاستئناف المدنية في جبل لبنان، الغرفة الرابعة عشرة، قرار رقم 35/2015 السابق ذكره. ↑
محكمة التمييز اللبنانية: تاريخ 19/3/1998، العدل 1998، ص. 230؛ وتاريخ 30/3/2006، صادر 2006، ص. 697؛ وتاريخ 4/12/2008، صادر 2008، ص. 579. ↑
محكمة التمييز اللبنانية تاريخ 20/2/2003، العدل 2006، ص. 610؛ المحكمة الابتدائية في بيروت، تاريخ 26/5/2016، العدل 2016، ص. 2066. ↑
بعكس ما يعتقده البعض كما جاء مثلاً في مناقشات البرلمان التي يمكن الولوج اليها عبر الرابط في الملاحظة رقم 8 أعلاه. ↑
انشر المقال


New Page 1