“السلطان” يقتحم “الجماهيرية”: ليبيا ـ الدولة تندثر.. ويبقى النفط! :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


“السلطان” يقتحم “الجماهيرية”: ليبيا ـ الدولة تندثر.. ويبقى النفط!

طلال سلمان - مع الشروق
23-01-2020
خلال قرن الا قليلاً، شهدت ليبيا تحولات خطيرة بدَّلت احوالها جذرياً، وحولتها من بعض “ممتلكات” السلطنة العثمانية، إلى بلاد صحراوية يحكمها الطليان بوحشية مطلقة ويواجهون فرسانها بقيادة البطل عمر المختار حتى ألحقوا بهم الهزيمة وأعدموه شنقاً ثم بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، تقاسمها البريطانيون (في الغرب، طرابلس والشرق، بنغازي) مع الفرنسيين في الجنوب (سبها هي عاصمة الجنوب الغربي من ليبيا، في الصحراء، يحدها من الشمال منطقة زلاف الصحراوية واودية الشاطئ وعتبة والآجال ومناطق مرزق والقطرون)..

كانت نهاية الحرب هي اللحظة المناسبة لإعلان قيام المملكة الاتحادية تحت قيادة الملك ادريس السنوسي وان استمر تأثير الطليان، لغوياً على الاقل، حتى بعد “ثورة الفاتح” في الاول من ايلول 1969 (الذي كان يعيش منفيا في بعض انحاء مصر، قرب حدود ليبيا).

هكذا قامت دولة اتحادية: غربها، بعاصمته طرابلس، يتحدث الايطالية إلى جانب العربية، وشرقها يتحدث الانكليزية إلى جانب العربية بلهجة بدوية، وجنوبها ـ المحاذي لتشاد ـ يتحدث الفرنسية.

ولقد اعيد ادريس السنوسي، المنفي إلى بعض الشاطئ المصري القريب، إلى ليبيا، وتم اعلانه ملكا، مركزه في طرابلس، ومصيفه في البيضاء في بعض الجبال المطلة على بنغازي..

هكذا فقد كان الليبيون يتقنون الايطالية في طرابلس، والانجليزية في بنغازي، والفرنسية في سبها.

اما طبرق والمسافة بينها وبين الحدود المصرية، فقد كانت تضم في صحرائها ذكريات المواجهة الاستثنائية بين جيش الحلفاء بقيادة الجنرال برنارد مونتغمري، والجيش الالماني بقيادة الجنرال رومل.. وهي مواجهة انتهت بانتصار الحلفاء وهزيمة الالمان.

… وكان أن ظهر النفط عند الشاطئ الليبي وفي بعض انحاء الصحراء الشاسعة التي فتفجرت بالذهب الاسود، وانتبهت اليها الدول على انها ارض الذهب.

في الفاتح من سبتمبر (اول ايلول 1969) قام الجيش بقيادة معمر القذافي بانقلاب، بينما الملك ادريس في مصر.. وتم خلعه والقبض على ولي العهد، واعلان الجمهورية، التي سيحولها القذافي بعد وقت قصير إلى “الجماهيرية” الوحيدة في العالم.

ولقد ذهب القذافي إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في القاهرة، “ليسلمه الأمانة”، الا أن عبد الناصر اعتذر طالبا إلى “الضباط الاحرار” أن يهتموا ببناء ليبيا واخراج القوى الاجنبية منها.. ومن ثم، يجري البحث في امر المستقبل.

بعد عام واكثر قليلاً 28 ايلول 1970، توفي جمال عبد الناصر بعد قمة عربية طارئة وعاصفة في القاهرة لوقف الصدام المسلح بين الجيش الاردني وقوات المقاومة الفلسطينية..

عاد القذافي وصحبه إلى طرابلس يملأه الشعور بأنه “الوريث الشرعي” لعبد الناصر!

وهكذا توالت تصرفات غير متوقعة منه:

1 ـ جعل ليبيا ـ اول جماهيرية في التاريخ.

2 ـ ابتكر نظام اللجان الشعبية بديلاً من مجلس النواب. أعطى لكل عضواً رقماً ينادي به عليه إذا اراد الكلام في الاجتماع.

3 ـ استغنى تدريجيا عن مجلس قيادة الثورة، مكتفياً بعبد السلام جلود للمهام الخارجية التي لا يريد السفر للقيام بها.

صار معمر القذافي “الأخ القائد” يتصرف على هواه وبمزاجه مع الملوك والرؤساء العرب بعد رحيل جمال عبد الناصر..

بعد حين انتخبته قمة افريقية: “ملك ملوك افريقيا”، لا سيما وانه قدم الكثير من المساعدات لبعض دولها.

كانت ليبيا الغنية بنفطها محط انظار الغرب والشرق، من هنا أن القذافي كان محل ترحيب في معظم العواصم القريبة والبعيدة (خارج نطاق الولايات المتحدة الاميركية..) ولقد تقبلت هذه العواصم مزاجه وتقلباته وازياءه المختارة، واصطحابه الجمال والنوق في بعض زياراته الرسمية لأنه يفطر بلبنها..

كذلك سلمت معظم الدول العربية بمزاجه الخاص وتقلباته السياسية، خصوصاً وانه تولى رعاية المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح، ومعها الحركة الوطنية اللبنانية، لا سيما خلال الحرب الاهلية ـ العربية ـ الدولية في لبنان (1975 ـ 1980)… ثم في مواجهة الاجتياح الاسرائيلي في صيف 1982.

بعد اربعين سنة ونيف من الحكم المطلق، واجه معمر القذافي غضبة شعبية عارمة… ولقد فوجئ بها، وكانت نهايته مفجعة.

كان النظام يقوم على شخص القذافي، فلما قتل، عمت الفوضى ليبيا، وانقسم الليبيون وجاءت “الدول” لنتقاسم الغنائم.. وكادت البلاد تتشطر من جديد، خصوصاً وقد انقسم الجيش، وتولى قيادة بعضه المنشق خليفة حفتر، ممسكاً بالشرق، بينما اقيمت حكومة مؤقتة، ثم اختير مجلس نيابي في طرابلس.. قبل أن تدور الحرب بين الطرفين.

وفي حين اتكأ حفتر على مصر عبد الفتاح السيسي، في حين كانت الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس لا تجد في الدعم الدولي (المعلن) ما يكفي لحمايتها.. وهكذا قصدت حكومتها برئاسة.. السراج تركيا تطلب النجدة.

ولعل الرئيس التركي اردوغان كان ينتظر مثل هذه اللحظة ليؤكد جدارته بدور السلطان.. وهكذا أعلن استعداده لنجدة “حليفه” الجديد.

حاول التمهيد بزيارة لتونس، لكنه لم يجد قبولاً او تأييداً،

بالمقابل شنت القاهرة حملة شرسة ضد “هذا التدخل التركي الفظ” ملوحة باحتمال المواجهة..

اطرف ما اقدم عليه اردوغان انه ارسل اكثر من الفي مقاتل انتقاهم من بين اللاجئين السوريين إلى تركيا ليرسلهم إلى طرابلس الغرب.. رافضاً تهديد القاهرة بانها لن تسكت على “هذا العدوان”.

…وهكذا اندثرت “الجماهيرية”، وها هي ليبيا تعود لتكون موضع نزاع بين الاقوياء، عرباً وأجانب. يتقدمهم “السلطان” اردوغان ليأخذ الجميع إلى.. جهنم!

ومن حق “السلطان” أن يستولي على ارض الذهب الاسود، ولو في آخر الارض، حتى لا يظل “اسيراً” للدول الاكبر والاغنى، سواء كانت الولايات المتحدة او روسيا بوتين أو سائر اوروبا التي ترفض ضمه إلى “اتحادها”!

ينشر بالتزامن مع جريدة “الشروق” المصرية


New Page 1