غزّة: البحث عن الذكريات بين أنقاض البنايات :: موقع صيدا تي في - Saida Tv


غزّة: البحث عن الذكريات بين أنقاض البنايات

عرب48
15-11-2018
لا يمكن إحصاء الخسائر المادّية للعدوان الإسرائيلي على غزّة بعدد المباني التي هدمت جرّاء القصف، فبانهيار كلّ مبنى من هذه المباني انهارت معه تاريخ وأحلام وذكريات لن يكون من المتاح ترميمها؛ ورغم محاولة الاحتلال أن يتبرّأ من قصف المدنيين، بادعائه قصف منشآت عسكرية فقط، تظلّ ألعاب الأطفال الممزّقة، والأثاث المحترق، وبقايا الكتب والدفاتر، والكاميرات المحطمة التي انتشلت من بين الدمار، الشاهد على غير ذلك.

في غرف وأروقة روضة "شهد" للأطفال، والتي تقع في البناية الملاصقة لبناية "اليازجي" التي دمّرتها غارات الاحتلال بالكامل، تتناثر المقاعد المحطمة والدفاتر والكتب والألعاب الاسفنجية الممزقة من شدة القصف. وتقول مديرة الروضة، ابتسام اليازجي، إّنه قبل "ساعات من القصف كان في هذا المكان 200 طفل يلعبون ويتلقون دروسهم ويرسمون ويصنعون مجسمات عفوية وجميلة من الصلصال".

وأضافت اليازجي: لن يتمكن الأطفال من القدوم إلى الروضة مجددًا، فقد حطمت الغارات الإسرائيلية كل شيء تقريبًا، وقد يكون المبنى معرضًا للانهيار"، بينما كانت تجمع الأثاث والألعاب التي نجت من القصف.

أما في بناية "اليازجي"، المكونة من 7 طوابق، بحيّ الرّمال غربي المدينة، هناك 14 شقة سكنية ومتاجر ألبسة، ونادٍ رياضي، قصفت بأكثر من 10 صواريخ ليفقد العشرات من المدنيين منازلهم ومصادر رزقهم. ويقول الطفل يزن اليازجي، البالغ من العمر 12 عامًا، إنّ معظم سكان هذه البناية هم من الأطباء، لا أدري لماذا قصفتها إسرائيل فلا يوجد هنا أي منشآت عسكرية"، مضيفًا: " لا أعلم كيف سأذهب للمدرسة غدًا، لقد احترقت كتبي وحقيبتي وملابس المدرسة فقد هربنا من المنزل بعد قصفه بالصاروخ الأول بملابسنا فقط".

وفي منزل عائلة ضهير وسط مدينة رفح، أقصى جنوبي القطاع، يمكن مطالعة جانب من تلك الحكاية، فقبل أن تحوّله 4 صواريخ إسرائيلية إلى ما يشبه بيت الأشباح، كانت غرفه الأربع تضج بتفاصيل الحياة، فهناك عاشت أسرة من 10 أفراد؛ وداخل إحدى تلك الغرف التي صبغت جدرانها بلون السماء، وزينت برسوم ملونة زاهية لشخصيات كرتونية، كانت الأم تراجع مع أطفالها دروسهم قبل أن يحين موعد وجبة العشاء، لكن الصواريخ الإسرائيلية لم تمنحهم الكثير من الوقت قبل أن ينفجر أوّلها في غرفة مجاورة ليحولها إلى كومة من الركام.


كان ذلك الانفجار كفيلًا بإيقاف صوت أبيات الشعر التي حاول الطفل محمد حفظها، لينطلق صوت الصراخ في كل مكان، ولتحمل الأم بعض أطفالها وتدفع البقية ليركضوا إلى الخارج، فالصاروخ الصغير الذي ضرب الغرفة المجاورة، يعرفه سكان غزة جيدا، فهو قذيفة تحذيرية، تطلقها الطائرات قبل دقائق من تدمير المنزل كليًّا.

وفي الدقائق الأخيرة، قبل أن يسقط الصاروخ الثاني، لم يكن أمام الأطفال ووالدتهم أي وقت لحمل متاعهم، فكل ما كان بإمكانهم الهرب به هو أجسادهم، فالمقاتلات الإسرائيلية لا تنتظر طويلا قبل أن تعود بالدمار، وخلال أقل من ثلاث دقائق، كانت الأم وأطفالها ووالدهم الذي كان في شركته المجاورة للمنزل، وأفراد 5 عائلات أخرى تقطن في المنازل المجاورة، يركضون على بعد نحو 350 مترًا من المنزل في زقاق قريب.

ولم تمض 4 دقائق بعد الانفجار الأول، حتى اهتزت الأرض بأصوات ثلاثة صواريخ متتالية استهدفت أرضًا خالية تتوسط 5 منازل لعائلة ضهير، فدمرت بعضها كليًّا وأخرى بشكل جزئي، وكأن زلزالًا ضرب المنطقة؛ تلك الانفجارات المتتالية، لم تدمر الحجارة فحسب، فمذكرات الأطفال احترقت قبل أن يجف حبرها، والألعاب والحقائب المدرسية تبعثرت بأرجاء المنزل، وحتى كأس القهوة الملون المفضل لدى الأم تحطم وتناثر في كل مكان.

وقال أحد أفراد العائلة، كامل ضهير، إنّ ""القصف دمر منزلنا وأرواحنا... حياتنا كانت هنا... هذه ليست مجرد حجارة ففي كل زاوية من البيت لدينا ذكرى جميلة"، وأضاف أنّ "شركة بيع الأعلاف التي نملكها، والملاصقة للبيت دمرت كليًّا أيضًا، واحترقت أموالنا، نحو 52 ألف دولار، لتقضي الصواريخ الإسرائيلية بذلك على كل شيء لنا".

وعاشت عائلة البريم في مدينة خانيونس جنوبي القطاع نفس المأساة التي مرت بها عائلة ضهير، فمنزلها لقي مصير سابقه في الليلة ذاتها بعد أن أغارت عليه الطائرات الإسرائيلية بثلاث صواريخ؛ محملقًا فيما تبقى من منزله ومتعجبًا من قوة الصواريخ الإسرائيلية التي اخترقت سرداب البيت ودمرت قواعده الخرسانية، يقول نصر الله البريم: "انظر لهذه الحفرة العميقة، كأن بركانا انفجر أسفل المنزل، لا أدري لماذا يستخدم الاحتلال كل هذه القوة ضدنا، نحن مدنيون لا نشكل أي خطر عليها".

ويضيف بابتسامة ممزوجة بمشاعر الحسرة: "هذا المنزل كان كل شيء في حياتنا، هنا فرحنا وهنا بكينا وهنا قضينا ليالي الشتاء نحتسي الشاي والقهوة الساخنة، تحت هذا السقف أطعمت أحفادي ولاعبتهم"؛ وفي لحظة لم يفلح الفلسطيني فيها بالسيطرة على دموعه، توقف عن الكلام وعاد ليتأمل حجارة منزله ويدور حول أنقاضه باحثًا عن أي ناجٍ من ذكرياته، فجمع مع أحفاده قطع الأثاث غير المحطمة وبعض الكتب.



ليست الذكريات الجميلة وألعاب الأطفال والمنازل والمتاجر ما دمره قصف الاحتلال في غزة فقط، خلال هجومها الجوي، فآثار المدينة كانت ضحية أيضًا، فالقصف طال مبنى "فندق الأمل" الذي يعكس جزءًا من تاريخ المدينة الفلسطينية الحديث، فالمبنى المكون من 4 طوابق ويمتد على مساحة تزيد عن 1000 متر مربع، بني خلال فترة الحكم المصري للقطاع في ستينات القرن الماضي، وبات أحد أشهر المعالم التي تتميز بها مدينة غزة.

وعلى مدار نحو 40 عامًا كان المبنى فندقًا ومطعمًا سياحيًا ومقهى، يفضله معظم الوفود السياحية الذين يزورون القطاع، ولكن بعد سنوات قليلة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وتراجع السياحة انتقلت ملكيته إلى الحكومة. وخلال السنوات الأخيرة حافظ على اسمه، لكنه كان مقرًّا لوزارة الصحة الفلسطينية، قبل أن يتحول منذ نحو عامين لمؤسسة حكومية أمنية.

العجوز محمد خالد 66 عامًا الذي يقطن منذ مولده في منزله القريب من "فندق الأمل" قال إن المبنى "لطالما كان جزءًا من ماضينا الجميل حتى أصبحت منطقتنا تحمل اسمه"، ويضيف أنّ "هذه المنطقة كانت قبلة للسياح الأجانب فهي قريبة من البحر وفيها (فندق الأمل) أفخم نُزُل سياحي بالمدينة، في تلك الفترة"، ويتابع: "كل من في المنطقة يشعر بغصة في حلقه بعد قصف الفندق فقد كان معلمًا يميز المنطقة ويذكرنا بسنوات جميلة مضت".

مبنى آخر دمرته الغارات الإسرائيلية كان العاملون فيه يحاولون على مدار الساعة نقل صورة غزة الجميلة ومعاناة سكانها جراء اعتداءات الاحتلال وحصاره المتواصل لها إلى العالم عبر قناتهم الفضائية "الأقصى"، ومن مبنى فضائية الأقصى، كانت تُبَث عبر الأقمار الصناعية صور وكلمات تروي حكاية مأساة وحروب وأزمات عاشها القطاع خلال السنوات الـ12 الماضية، منذ فرض الحصار الإسرائيلي عليه عام 2006.

ورغم أن الصواريخ الإسرائيلية نجحت في تدمير المبنى بالكامل إلا أن بث القناة الذي انقطع لعدة دقائق سرعان ما عاد من مكان غير معلوم، ليواصل نقل مجريات الأحداث في غزة خلال التصعيد العسكري.

ومنذ مساء الأحد الماضي، شن الجيش الإسرائيلي هجمات على قطاع غزة؛ ما أسفر عن سقوط 14 شهيدًا، فضلًا عن تدمير منشآت مدنية، وردّت فصائل فلسطينية مسلحة بإطلاق عشرات الصواريخ على أهداف إسرائيلية، قبل أن تنخفض وتيرة الأمور الثلاثاء، عقب الإعلان عن التوصل لاتفاق تهدئة بوساطة مصرية ودولية.


New Page 1